كيف أفسد كورونا أعياد السياحة العربية؟

  • 2020-04-16
  • 13:24

كيف أفسد كورونا أعياد السياحة العربية؟

الخسائر 65 مليار دولار و 1.8 مليون عاطل عن العمل وانهيار القطاع يهدد اقتصاد بعض الدول العربية

  • رشيد حسن

في صيف العام 2019 كان العالم العربي يعيش مرحلة من النمو السياحي غير المسبوق ومن التسابق على استكشاف النفط الجديد غير الناضب، وهو الثروة السياحية في منطقة زاخرة بالتاريخ والحضارات والمعالم الفريدة، وفي سياق إدراك شامل، خصوصاً في دول الخليج، لأهمية تنويع الاقتصاد، بدأت الصناعة السياحية ونشاطات الترفيه والأحداث الكبرى والاستثمارات الضخمة في الثروة السياحية تستقطب الاهتمام الأول للحكومات والقطاع الخاص في آن واحد.

في السعودية التي التزمت سنوات طويلة نهجاً سياحياً محافظاً تبدّل الوضع جذرياً مع الانفتاح الاجتماعي وفتح المملكة للسياحة الأجنبية وتخصيص استثمارات كبيرة لتمويل هذه النهضة السياحية، وكانت دبي على الرغم من الركود النسبي تتابع ترسيخ ريادتها السياحية 16.7 مع مليون سائح في العام 2019 ومصر تعود إلى احتلال موقعها والمغرب وعمان كلها في سباق لاستغلال ميزاتها الكبيرة كسوق للسياحة العالمية، وتم إدخال العديد من الأحداث الكبرى والمنافسات الدولية.

لكن في مطلع العام، وبينما كانت دول المنطقة تتطلع إلى بدء تنفيذ تلك الخطط الطموحة، برز وباء كورونا مثل صاعقة في سماء صافية وأجبر المجتمعات في المنطقة وفي العالم بجميع قطاعاتها على الإسراع في الاختباء، بينما سارعت الحكومات إلى فرض إجراءات إغلاق شامل للاقتصاد وعلى رأسه النشاط السياحي بمكوناته والخدمات المتعلقة به كافة.

هذا التوقف الإجباري للاقتصاد ولقطاع أساسي للاقتصادات العربية (يمثل في المتوسط نحو 10 في المئة من الناتج المحلي)، يعتبر ضربة قاصمة لم يستفق العالم العربي منها حتى الآن، لكن مع مضي كل يوم تتضح أكثر النتائج المباشرة والبعيدة الأمد لأزمة كورونا على القطاع السياحي، وهي نتائج كارثية قد تؤدي إلى زوال قسم كبير من المؤسسات السياحية والفندقية والنشاطات التي تعوّل على حركة السياح، أما على المدى الأطول، فإن الأزمات التي ضربت الطلب على السياحة العربية في الدول المتقدمة والآسيوية والعربية، ستتسبب بكساد اقتصادي طويل الأمد وانكماش في المداخيل وبالتالي في الإنفاق السياحي، كما قد تساهم عوامل الخوف النفسي التي ستستمر لفترة طويلة في المزيد من تراجع الطلب على السياحة العربية، وسيؤدي انهيار الطلب على السياحة إلى تفاقم غير مسبوق للكساد في أسواق العقار خصوصاً في الإمارات وعمان وقطر والسعودية وبقية دول المنطقة مع ما قد يجر ذلك إليه من أزمات سيولة وديون متعثرة، لكن الأزمة الكبرى التي سنشهدها قريباً في المنطقة وخصوصاً في الخليج هي أزمة بطالة وتسريحات لمئات الألوف من العاملين الأجانب، وفي أسواق مثل مصر ستصيب النسبة الكبيرة من التسريحات العمال المصريين أنفسهم الذين يعمل نحو ثلاثة ملايين منهم في قطاع السياحة.  

المجلس العالمي للسياحة والسفر قام بتقدير أولي للنتائج المتوقعة لوباء كورونا على السياحة في المنطقة العربية وخلص إلى أن خسائر المنطقة من انهيار الطلب السياحي، وشلل الحركة قد يصلان إلى نحو 65 مليار دولار في العام 2020 وخسارة نحو 1.8 مليون شخص لوظائفهم.

لكن الحجم الحقيقي للبطالة المتسببة عن انهيار النشاط السياحي سيكون أكبر بكثير (راجع الرسم البياني) إذا أخذنا في الاعتبار تأثيره على العدد الكبير من الأعمال والمهن والتجارة التي تخدم قطاع السياحة وأكثرها من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة، وستؤدي البطالة غير المباشرة نتيجة تأثر حلقات النشاط المعتمدة على السياحة إلى رفع عدد الذين يخسرون وظائفهم إلى الضعف تقريباً. ويجب أخيراً أن نضيف الضغوط التي ستحدثها البطالة السياحية على سوق العمل بشكل عام، وإمكان استيعاب الدفعات الجديدة من طالبي العمل في العالم العربي الذي يعاني أساساً من نسبة بطالة الشباب التي هي من بين الأعلى في العالم.

في انتظار الفرج.. الحملة على كورونا قد تطول

والسياحة آخر نشاط يعود إلى طبيعته

 

إحدى الصعوبات الأساسية في التعامل مع كورونا واتخاذ القرارات الملائمة من قبل المؤسسات أو الحكومات هو صعوبة التكهن بمسار الوباء وبالوقت المطلوب للسيطرة عليه، وكلمة "السيطرة" هنا مناسبة لأن "القضاء على الفيروس" تماماً أمر آخر وقد يستغرق وقتاً أطول، وإذا كان ممكناً تخفيف القيود في حال السيطرة على انتشار الوباء وتراجع عدد الحالات الجديدة فإن العودة التامة إلى ما يشبه الأوضاع الطبيعية التي كانت سائدة قبل ظهور الوباء تتطلب فعلاً أن يكون قد زال الخطر تماماً من ظهور أي حالات جديدة لأن الوباء معد جداً وأي حالات جديدة ستفرض الإبقاء على عدد من القيود. وطالما أننا نتكلم عن السياح، فإنها ولاشك آخر نشاط اقتصادي يمكن أن يعود إلى طبيعته، لأن السياحة متصلة بنشاطات الترفيه والتسوق وهي نشاط اجتماعي يفترض عودة الثقة تماماً بإمكان الحشد الجماهيري والاختلاط والتفاعل المباشر، كما إن الطلب عليها مرن ويتأثر بمستوى المعنويات والمزاج المتفائل خلافاً للطلب على بقية الحاجات أو السلع الأكثر أهمية لحياة الناس.

بالطبع السؤال البديهي هنا هو: متى يمكن للمجتمعات عموماً وللمجتمعات العربية العودة إلى تلك الحالة السابقة الخالية من أي خوف والمتعطشة الى الحياة والترفيه والانطلاق، كيفما نظرنا الى الأمر، فإن مثل هذه الأفق يبدو بعيداً، وقد تكون حكومات المنطقة منهمكة الآن في تعزيز دفاعاتها وإجراءاتها، لكن لا يبدو أن هناك إجماعاً بين الحكومات حول الاستراتيجية الأفضل للتعامل مع الوباء، فهناك من الحكومات من يسعى لاحتواء الوباء لكن من دون وقف الحياة وإغلاق الاقتصاد، لكن هناك من اختار اللجوء إلى أقسى إجراءات العزل ووقف كل أشكال الاجتماع باعتباره ثمناً مؤلماً لكن لا بدّ منه لاحتواء الوباء والتمهيد للعودة إلى الحياة الطبيعية، وفي كل الحالات، فإن الرأي السائد هو أن الفيروس سيصيب نسبة كبيرة من السكان، ويساهم بالتالي في بناء نوع من المناعة الجماعية التي ستؤدي إلى انحسار الوباء كما انحسرت قبله أوبئة مثل SARS  أو MERS او إنفلونزا الخنازير، لكن كل هذه الرهانات يصعب توقع المدى الزمني الذي تحتاجه، وهذا ما قد يشجع على المضي في التحفظ وبالتالي تعرّض الاقتصادات والمؤسسات إلى المزيد من النزف قد لا يقوى الكثيرون على احتماله، والعديد من المصالح والأعمال والمؤسسات ستكون قد اختفت قبل أن يتم الإعلان عن القضاء على الوباء وعودة الحياة إلى طبيعتها بصورة تدريجية.

ومن الواضح أنه إضافة إلى تباين السياسات، فإن عوامل عديدة أخرى تلعب دوراً في تقرير مسار الوباء والوقت المطلوب لاحتوائه، ومن هذه العوامل توافر البنية التحية الصحية والمهارات وفعالية الإدارات الحكومية والقدرة على ضبط الحدود وتوافر الموارد المالية والأجهزة والعلاجات، فضلاً عن الظروف الاجتماعية مثل الاكتظاظ السكاني ومدى الانضباط الاجتماعي وطبيعة المهن والفقر وغير ذلك، ما قد لا يساعد على تنسيق سياسات احتواء متزامنة في أنحاء "القرية العالمية" كافة التي تحتاجها السياحة، وهو ما قد يمد بالتالي أمد الحملة العالمية على الوباء ويضعف آمال القطاعات السياحية بعودة مبكرة إلى شيء يقترب من مستويات النشاط الطبيعي السابقة.